السيد الطباطبائي
289
الإنسان والعقيدة
فيشتاق إلى شيء فيريده ، ويكره شيئا فيمسك عنه ، هذا بالنسبة إلى الجزئيّات المحسوسة ، ومنها ينطلق إلى التعميم والتوسعة لكلّ شيء ، وفي كلّ شيء يناله فهمه ، ويقع عليه إدراكه . فالإنسان يسير - بحسب تكوينه وصنعه - إلى نيل ما يحتاج إليه في حركاته الجسميّة والروحيّة من العلوم والمعارف ، فلا حاجة للإنسان إلى ما لا تعلّق له في عمله ، ولا يرتبط به ، ولا يدركه إدراكا تامّا ، ولا يصفو له علم شيء إذا فارق العمل ، وإلى ذلك يشير قول عليّ عليه السّلام : « العلم مقرون بالعمل : فمن علم عمل ؛ ومن عمل علم ، والعلم يهتف بالعمل ، فإن أجابه وإلّا ارتحل عنه » « 1 » . ويظهر ذلك بوضوح إذا قايسنا حال الفلسفة الإلهيّة التي ربّما يوجد شيء منها لدى الشعوب المتمدّنة اليوم ، بحالها في الإسلام . . حيث إنّ أولئك - أعني الشعوب المتمدّنة - اليوم قد فصّلوا بين الفلسفة الإلهيّة وبين الأعمال ، فاستقلّت القوانين العمليّة السائدة بينهم عن الدين استقلالا تامّا . . أمّا الإسلام فقد وضع قوانينه العمليّة على أساس الأخلاق المبنيّة على أصل التوحيد . . ومن هنا ، فإنّك ترى عيانا أنّ الفضلاء والمفكّرين من أولئك لا يكادون يفقهون حتّى المسائل البسيطة من الفلسفة الإلهيّة . . وأمّا المسلم الواعي المحترم لشؤون دينه ، فإنّ للّه عزّ اسمه نصيبا في قيامه وقعوده ، ونومه ويقظته ، وحياته وموته ، وظاهر شخصيّته وباطنها ، وهذه الإحاطة التامّة ، ومن أجل سراية التوحيد إلى جميع شؤون الرجل الإلهي ، تسنّى له الوقوف في موقف التألّه ، وثبتت له قدم صدق في معرفة اللاهوت ، التي أحاط حكمها بكلّ
--> ( 1 ) الكافي : 1 / 63 ، الحديث 108 / 2 ، باب استعمال العلم ، بحار الأنوار : 2 / 40 ، الحديث 71 ، باب 9 - استعمال العلم والإخلاص في طلبه ، ومثله ما ورد في نهج البلاغة : 539 ، الحكمة 366 ، حكم أمير المؤمنين عليه السّلام ، ومثله ما ورد في غرر الحكم : 45 ، الحديث 142 - 143 ، ثمرة العلم العمل به .